ابن قيم الجوزية

153

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وتحت هذا المثل من الفقه : أنه سبحانه شبه الإنفاق بالبذر ، فالمنفق ماله الطيب للّه ، لا لغيره : باذر ماله في أرض زكية . فمغلّه بحسب بذره ، وطيب أرضه وتعاهد البذر بالسقي ، ونفي الدغل ، والنبات الغريب عنه . فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم يحرق الزرع نار ، ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال ، وكان مثله كمثل جنة بربوة . وهي المكان المرتفع الذي تكون الجنة فيه نصب الشمس والرياح فتتربى الأشجار هناك أتم تربية . فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر ، متتابع . فرواها ونماها . فأتت أكلها ضعفي ما يؤتيه غيرها ، لسبب ذلك الوابل فإن لم يصبها وابل فطلّ ، أي مطر صغير القطر يكفيها ، لكرم منبتها تزكو على الطل ، وتنمو عليه ، مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل . فمن الناس من يكون إنفاقه وابلا ، ومنهم من يكون إنفاقه طلّا . واللّه لا يضيع مثقال ذرة . فإن عرض لهذا العامل ما يحرق أعماله ، ويبطل حسناته ، كان بمنزلة رجل له : جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، وَأَصابَهُ الْكِبَرُ ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ ، فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ ، فَاحْتَرَقَتْ فإذا كان يوم استيفاء الأعمال ، وإحراز الأجور ، وجد هذا العامل عمله قد أصابه ما أصاب صاحب هذه الجنة . فحسرته حينئذ أشد من حسرة هذا على جنته . فهذا مثل ضربه اللّه سبحانه للحسرة بسلب النعمة عند شدة الحاجة إليها ، مع عظم قدرها ومنفعتها . والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبر والضعف ، فهو أحوج ما كان إلى نعمته . ومع هذا فله ذرية ضعفاء ، لا يقدرون على نفقته . والقيام بمصالحة بل هم في عياله . فحاجته إلى جنته أشد ما كانت لضعفه وضعف ذريته . فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه والثمر ، وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفعها ، وهو ثمر النخيل والأعناب ، فمغله يقوم بكفايته وكفاية ذريته ، فأصبح يوما وقد